ثلاثة أوهام عن الذكاء الاصطناعي: الطلاقة والذكاء العام والحياد
هل الطلاقة فهم؟ وهل الآلة ذكيةٌ ذكاءً عامًّا؟ وهل هي محايدة؟ ثلاثة أوهام شائعة وطريقة التحقق من كلٍّ منها.

حين تطلب من آلةٍ أن تكتب قصيدةً فتكتبها، أتكون قد فكّرت أم أحسنت تقليد من فكّروا قبلها؟ سؤالٌ بسيط يخفي تحته إشكالًا عميقًا؛ إذ نتحدّث عن الذكاء الاصطناعي كأننا نعرف ما هو. وفي السطور التالية ثلاثة أوهام تُربك فهمنا له.
الوهم الأول: الطلاقة فهم
النموذج الذي يكتب لك رسالةً مقنعة لا «يفهم» ما يكتبه كما تفهم أنت، وإنما يحاكي الفهم. وقد سبق أن أحلّ آلان تورينج (Alan Turing) عام 1950 اختبارًا عمليًّا يقيس السلوك الظاهر محلَّ سؤال «هل تفكّر الآلة؟». واحتجّ جون سيرل (John Searle) بتجربة «الغرفة الصينية» على أنّ معالجة الرموز بإتقانٍ لا تكفي وحدها للفهم، وهي حجّةٌ ما زالت موضع جدل.
ونحن مجبولون على أن نُسبغ على الآلة عقلًا ليس لها. فحين أطلق جوزيف وايزنباوم (Joseph Weizenbaum) برنامج «إليزا» عام 1966، وهو برنامج محادثة بقواعد بسيطة، فوجئ بأن الناس يبوحون له بأسرارهم ويظنّونه يفهمهم، كما روى في كتابه عام 1976. هذا هو «أثر إليزا»، والنماذج الحديثة أقدر على إثارته. فالخطر ليس أن تخدعنا الآلة، بل أن نتلهّف على أن نُخدَع.
الوهم الثاني: الذكاء الضيّق ذكاءٌ عام
ما بين أيدينا ذكاءٌ ضيّق يتقن مهمّةً بعينها، وإن اتّسع استعماله في النماذج الحديثة فهو ليس عامًّا بمرونة الإنسان. وقد ظنّ كثيرون أنّ «ديب بلو» حين هزم غاري كاسباروف (Garry Kasparov) عام 1997 قد «فكّر»، وهو كان في جوهره بحثًا حسابيًّا واسعًا مع دوال تقييم صاغها بشر.
وتؤيّد ذلك تجربة ميدانية قادها باحثون من كلية هارفارد للأعمال وجامعات أخرى بالشراكة مع مجموعة بوسطن الاستشارية (2023) على 758 مستشارًا. سمّاها الباحثون «الحافّة المتعرّجة»: داخل حدود قدرة النموذج تحسّن الأداء تحسّنًا ملموسًا، أما خارجها فكانوا أقل إصابةً للصواب بنحو 19 نقطة مئوية. وقد يسوء القرار لأنّ المستخدم يطمئن إلى جوابٍ مقنع الصياغة، وهذا تفسيرٌ لا نتيجة مقيسة. والقفز من نجاحاتٍ ضيّقة إلى «ذكاءٍ عامٍّ وشيك» استنتاجٌ يتجاوز ما تثبته الأدلة.
الوهم الثالث: الآلة محايدة
الآلة التي تتعلّم من سجلّاتنا تعيد إنتاج أنماطها، بما فيها المتحيّز، بمظهر الموضوعية. فالحياد الرياضي لا يعني حياد النتيجة، والحديث عن «ذكاءٍ موضوعيٍّ» متحرّرٍ من تحيّز البشر وهمٌ، وإن كان بعض الأنظمة يتجاوز أمثلة البشر بالتجريب الذاتي. وتفصيل ذلك في مقال «التحيّز الخوارزمي».
ثلاث قواعد عملية
- اسأل: هل مهمّتي داخل نطاق ما تُحسنه الأداة أم خارجه؟
- احترس من «أثر إليزا»: خلف كل جوابٍ أنيق احتمالٌ إحصائي لا فهمٌ واعٍ.
- أبقِ الإنسان في موضع القرار والمساءلة؛ فالمسؤولية الأخلاقية لا تحملها خوارزمية.
وأقرب وصفٍ للذكاء الاصطناعي في تقديرنا أنه ليس عقلًا صنعناه ولا مرآةً جامدة، بل مرآةٌ نشطة تعيد تركيب ما تعكسه، فتكشف عنّا أكثر مما تكشف عن نفسها. فماذا تُظهر هذه المرآة عن طريقة تفكيرنا نحن؟ بهذا السؤال نستقبل الغد بعينٍ ناقدة لا مبهورة.
المراجع
- A. Turing, Computing Machinery and Intelligence, Mind 59(236): 433–460 (1950)
- J. Weizenbaum, ELIZA — A Computer Program for the Study of Natural Language Communication between Man and Machine, Communications of the ACM 9(1): 36–45 (1966)
- J. Weizenbaum, Computer Power and Human Reason: From Judgment to Calculation, W. H. Freeman (1976)
- J. Searle, Minds, Brains, and Programs, Behavioral and Brain Sciences 3(3): 417–457 (1980)
- F. Dell'Acqua et al., Navigating the Jagged Technological Frontier: Field Experimental Evidence of the Effects of AI on Knowledge Worker Productivity and Quality, Harvard Business School Working Paper 24-013 (2023)


