الاستشراف والسيادة

الذكاء الاصطناعي العربي: نصنع أم نستهلك؟ السيادة والنماذج اللغوية العربية

أمّةٌ ينطق مئاتُ الملايين منها بلغةٍ واحدة، وتُدرَّب النماذج على لغاتٍ أخرى. فهل نكتب شيئًا من شيفرة الغد أم نتلقّاها جاهزة؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

مصافحة بين يدٍ بشرية ويدٍ رقمية من دوائر إلكترونية

نحن أمّةٌ ينطق مئاتُ الملايين منها بلغةٍ واحدة، ومع ذلك تُدرَّب أقوى النماذج على بياناتٍ تغلب عليها الإنجليزية، فتأتينا العربية فيها بحصةٍ أضعف، كأنها ضيفٌ على مائدةٍ ليست مائدتها (Joshi وآخرون، 2020). فهل صار مصيرنا أن نستورد حتى الطريقة التي تفكّر بها الآلة في كلماتنا؟ أم أنّ في هذه اللحظة التي لم تُغلَق فيها أبواب السباق بعدُ فرصةً لنكون صانعين لا مستهلكين؟

سؤال الحضارة لا سؤال الترف

تُقاس الحضارات بقدرتها على إنتاج أدوات عصرها لا اقتنائها. وعلماء الحضارة الإسلامية الذين نقلوا علوم الأمم منذ القرن الثامن الميلادي لم يكتفوا بالترجمة، بل أضافوا الجبر مع الخوارزمي في القرن التاسع، والبصريات مع ابن الهيثم في القرن الحادي عشر؛ وكلمة «الخوارزمية» التي تقوم عليها منظومات الذكاء الاصطناعي مأخوذةٌ من نسبة محمد بن موسى الخوارزمي عبر اللاتينية. وها هو الوريث يقف متلقّيًا لخوارزميات غيره، يدفع ثمن الاستخدام ويصدّر بياناته الخام ليستوردها معالجةً.

ويلاحظ مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد (2025) أنّ الولايات المتحدة أنتجت 40 نموذجًا بارزًا في 2024 مقابل 15 للصين و3 لأوروبا مجتمعة. ويصف كولدري (Nick Couldry) وميخياس (Ulises Mejias) في كتابهما (2019) استخراج البيانات من حياة البشر لصالح قلةٍ من الشركات بـ«استعمار البيانات»، وهو توصيفٌ محلّ نقاش؛ ويرى آخرون أنّ آثاره أشدّ على دول الجنوب.

رؤيةٌ تخالف المألوف

أولًا: خطاب الجلد الذاتي الذي يرى العرب مستهلكين أبديّين تبسيطٌ لا يسنده التاريخ؛ فالتقنية لا مصير محتومًا لها. وكوريا الجنوبية كانت في ستينيات القرن الماضي في مستوى دخلٍ مماثل أو أدنى من كثيرٍ من البلدان العربية، ثم صارت من كبار صنّاع التقنية في جيلٍ واحد، بإرادةٍ وخطةٍ ونفسٍ طويل.

ثانيًا: ثنائية «صناعة أم استهلاك» نفسها قد تكون فخًّا ذهنيًّا. فلا أحد يصنع كل شيء، وحتى الكبار يتخصّصون في حلقاتٍ من سلسلةٍ عالمية. والسؤال الأصحّ: ماذا نصنع وأين نضع ثقلنا؟ حيث لنا ميزة: ثراء العربية صرفًا ودلالةً، ومعرفةٌ بسياقاتٍ ثقافية ودينية وقانونية لا يفهمها النموذج المستورد، وبياناتٌ قطاعية في الطاقة والحج والتجارة والصحة.

اللغة قلب المعركة

اللغة بنيةٌ يتشكّل بها الفكر والقيم. فحين يُدرَّب نموذجٌ على نصوصٍ لا تكاد العربية فيها تُرى، تصلنا عدسةٌ مصبوغة بثقافةٍ أخرى، ويُضعف غياب مجتمعٍ عن بيانات التدريب تمثيل الآلة له (انظر: «التحيّز الخوارزمي»). فبناء نماذج عربية أصيلة ليس مشروعًا تقنيًّا فقط، بل سيادةٌ معرفية وحقّ أمةٍ في أن تفكّر الآلة التي تخدمها بلسانها.

الموارد: حوسبة ومواهب وبيانات

ثلاثة عناصر تحكم القدرة على الإنتاج: الحوسبة والمواهب والبيانات. وتملك المنطقة، وفي قلبها الخليج، مقوّمات الحوسبة من الطاقة ورأس المال، وإن بقي الاعتماد على رقائق مستوردة. لكنّ الموهبة والبيانات لا تُشتريان بالمال وحده؛ بل تُزرعان بصبر التعليم وثقافة البحث وحرية التجريب. والفخّ الأخطر أن نخلط امتلاك البنية بـامتلاك المعرفة التي تحرّكها، فنبني مراكز بياناتٍ لنشغّل عليها نماذج غيرنا. ويرى كثيرون أنّ التقدّم يتسارع بتراكمه، وإن لم يتفق الباحثون على استمرار ذلك؛ ومع ذلك فالانتظار ليس موقفًا محايدًا بل خسارة، والسرعة وحدها لا تكفي إن لم تقترن بوجهةٍ صحيحة.

خمس ركائز عملية

  1. سيادة البيانات: البيانات العربية ثروةٌ استراتيجية، تُحفَظ وتُستثمر داخل الإقليم.
  2. الاستثمار في العقل قبل الحجر: جامعاتٌ بحثية، واستبقاء المواهب.
  3. التخصّص الذكي: حلقاتٌ من سلسلة القيمة نتفوّق فيها بلغتنا وسياقنا.
  4. التكامل العربي: لا بلدٌ عربيٌّ بمفرده يملك السوق والموهبة ورأس المال، والعرب مجتمعين يملكون مقوّماتها.
  5. منظومة أخلاقية نابعة من قيمنا: (انظر: «الذكاء الاصطناعي المسؤول»).

وتتصل الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي (2020) برؤية المملكة 2030 في بناء اقتصادٍ رقمي والانتقال من الريع إلى المعرفة. ومعيار النجاح ليس عدد المراكز المفتتحة، بل قدرة هذه المراكز على إنبات باحثٍ عربي يبتكر من الرياض أو القاهرة أو تونس خوارزميةً ينتفع بها العالم كما انتفع بخوارزمية الخوارزمي.

أن نصنع بروحنا

من أنفع ما يمكن أن يقدّمه العرب في هذا القرن، إلى جانب النماذج، رؤيةٌ أخلاقية للتقنية تنطلق من أنّ الإنسان مكرَّمٌ لا يُتّخذ أداةً، وأنّ العلم أمانةٌ لا أداة هيمنة. فنصنع لا لنلحق بالركب وحده، بل لنضيف إلى مسيرة الإنسانية بصمةً تحمل روحنا.

ولعلّ هذا القرنَ يقسّم الأممَ إلى من يصنع عقل الآلة ومن تُملى عليه آلتُه. والعرب بلغةٍ حيّة وتاريخٍ علميّ ومواردَ وشبابٍ متّصل بالعالم الرقمي يقفون عند مفترقٍ نادر. والجواب لم يُحسم بعدُ، بل نسعى إليه بقراراتنا اليوم، متوكّلين على الله آخذين بالأسباب: مناهج نعلّمها، وباحثون نستبقيهم، وبياناتٌ نحميها، ولغةٌ نصرّ على أن تفكّر بها الآلة. ونسأل الله أن يوفّقنا لما يليق بأمتنا؛ والمستقبل، بإذن الله، يُكتب بأيدٍ تعمل.

المراجع

  1. Stanford HAI, Artificial Intelligence Index Report 2025, Chapter 1: Research and Development
  2. N. Couldry & U. Mejias, The Costs of Connection: How Data Is Colonizing Human Life and Appropriating It for Capitalism, Stanford University Press (2019)
  3. P. Joshi, S. Santy, A. Budhiraja, K. Bali, M. Choudhury, The State and Fate of Linguistic Diversity and Inclusion in the NLP World, ACL (2020)
  4. World Bank, GDP per capita (current US$), South Korea, 1960–, via FRED, Federal Reserve Bank of St. Louis
  5. الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، المملكة العربية السعودية (أُطلقت في 21 أكتوبر 2020)