الاستشراف والسيادة

الذكاء الاصطناعي بعد عقد: ثلاثة مسارات محتملة

ليست نبوءةً جديدة، بل تفكيكٌ لمنطق ثلاثة مسارات يتنازعها الباحثون: التسارع، والهضبة، والتعثّر المجتمعي. وما الذي ينفعنا في كلّها؟

4 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

رجل يحمل في كفّيه أيقونة رأس للذكاء الاصطناعي وأيقونة فريق عمل

تفصلنا عن عام 2035 نحو تسع سنوات، وليست هذه مساحةً نتأمّل فيها المصير من بعيد، بل غرفةٌ ضيّقة تُتّخذ فيها قراراتٌ كبرى ونحن مشغولون بالتفاصيل. وأخطر ما في خطاب «الحتمية التقنية» أنه يُعفينا من مسؤولية الحاضر؛ فالمصير ليس نبوءةً تُتلى بل خياراتٌ تُصنع، والغيب لله وحده. ولا غاية هنا أن نضيف نبوءةً إلى سوقٍ مزدحمة بالنبوءات، بل نفكّك المنطق وراء ثلاثة مسارات يتنازعها الباحثون.

المسارات الثلاثة

  1. التسارع المتّصل: تواصل النماذج اتّساعها حتى تقارب ذكاءً عامًّا يضاهي الإنسان في أغلب المهام المعرفية.
  2. الهضبة: تصطدم القدرات بعوائد متناقصة وكلفةٍ باهظة في الطاقة والبيانات، فيستقرّ التقدّم عند سقفٍ نافع دون الوعود البرّاقة.
  3. التعثّر المجتمعي: لا يكون الحدّ تقنيًّا بل اجتماعيًّا وسياسيًّا؛ تتعثّر التقنية عند حدود الثقة والحوكمة وتوزيع القوة.

وتلاحظ دراسة «الذكاء الاصطناعي ومئة عام» (2021) أنّ التغطية الإعلامية كثيرًا ما تبالغ في إمكانات الذكاء الاصطناعي إيجابًا وسلبًا، وأنّ بعض التوقعات المتفائلة، كالقيادة الذاتية الكاملة، لم تتحقّق.

لماذا تتعدّد المسارات؟

يقف خلف الخلاف ما يُعرف بـ«قوانين التوسّع»: تحسّنت خسارة النموذج على نحوٍ متوقَّع مع زيادة حجمه وبياناته وحوسبته (Kaplan وآخرون، 2020). لكنها ملاحظةٌ تجريبية محدودة المدى لا قانونٌ أبديّ، ولا أحد يضمن استمرارها. وقد عرف هذا المجال «شتاء الذكاء الاصطناعي»: موجات حماسةٍ تتبعها خيبةٌ كلّما تعثّر الوعد عند حدود الإمكان.

وتختلط في الخطاب العام ثلاثة أبعاد:

  • تقنيٌّ: هل ثمّة طريقٌ هندسيّ معروف إلى ذكاءٍ عام؟ الجواب الصادق: لا أحد يعرف.
  • معرفيٌّ فلسفي: هل صارت الآلة تفهم أم تحاكي؟ (انظر: «ثلاثة أوهام عن الذكاء الاصطناعي»).
  • اجتماعيٌّ سياسي: القدرة الحوسبية تتركّز في عددٍ محدود من الشركات والدول، ومن يملكها يملك مفاتيح التأثير.

سرعة الابتكار غير سرعة الاستيعاب

بين ولادة الابتكار في المختبر وتغلغله في الحياة فجوةٌ زمنية تملؤها التشريعات والتعليم وإعادة تنظيم العمل وبناء الثقة. وقد دلّت موجة الكهرباء (David، 1990) والحاسوب على أنّ العائد الكبير يأتي بعد عقدٍ أو أكثر، حين تعيد المؤسسات تصميم نفسها حول الأداة. فالأرجح أنّ ما سنراه في 2035 إن شاء الله انعكاسٌ لمدى حسن توطيننا للتقنية أكثر منه لأقصى قدرتها.

ما لا يقوله خطاب «مصير البشرية»

  • الأرجح أنّ المسارات الثلاثة تتحقّق معًا: تسارعٌ في قطاعاتٍ ذات بياناتٍ نظيفة ورأس مالٍ ضخم كالصناعات الدوائية والتمويل والبرمجة؛ وهضبةٌ في المهام التي تتطلّب فهمًا للعالم المادّي أو حكمًا أخلاقيًّا مركّبًا؛ وتعثّرٌ في المجتمعات التي تُدخل التقنية أسرع مما تبني حوكمتها.
  • الانشغال بالسيناريو الخارق يصرف النظر عن مخاطر واقعية آنية: التحيّز، وتركّز الثروة، وتضليل الرأي، واتّساع الفجوة الرقمية. ويرى بعض النقّاد أنّ تضخيم الخطر الوجودي يصرف الانتباه عن أضرارٍ قائمة.
  • في المقابل، رفض القلق رفضًا مطلقًا سذاجةٌ من نوعٍ آخر.

وتتفاوت تقديرات المهن المهدَّدة بالأتمتة تفاوتًا واسعًا بحسب المنهج: فقدّر فراي وأوزبورن (Frey & Osborne) نحو 47% من وظائف الولايات المتحدة معرّضًا للأتمتة، بينما خلصت دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بمنهج المهام إلى نحو 9%. والأذكى أن نسأل: أيّ المهارات ستُعاد كتابتها، وكيف نُعدّ الناس لما لا تُجيده الآلة؟

سؤال أنفع: ما البنية التي تجعلنا رابحين في أيّ مسار؟

أمّةٌ تبني قدرتها البشرية والمؤسسية بمتانةٍ تنتفع من التسارع إن وقع، وتصمد أمام الهضبة، وتمتصّ التعثّر. أربع ركائز:

  1. مناعةٌ تصمد في كل المسارات: تعليمٌ عميق، وبحثٌ أصيل، وبنيةٌ تحتية وطنية للحوسبة، وريادة أعمال.
  2. حوكمةٌ رشيدة مع إشرافٍ بشريّ فاعل كما تنصّ مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (انظر: «الذكاء الاصطناعي المسؤول»).
  3. رأس المال البشري: المؤسسات الأعلى عائدًا هي التي تعيد تصميم العمل ليكمّل فيه الإنسانُ الآلة، لا التي تستبدل موظفيها.
  4. حسٌّ نقديّ في الناشئة يميّز الأصيل من المزيّف؛ فمن أخطر ما يهدّد المجتمعات إنسانٌ فقد القدرة على كشف الكذب.

وتقدّم رؤية المملكة 2030 نموذجًا يستحقّ التأمّل في بناء القدرة الوطنية من القاعدة عبر التعليم والبحث لا باستيرادها جاهزة.

فإلى أيّ مسارٍ نمضي؟

السؤال بهذه الصيغة خاطئٌ من أساسه؛ فالأرجح أنّ عام 2035 لن يكون نتيجة سيناريوٍ واحدٍ انتصر، بل حصيلة ملايين القرارات الصغيرة التي نتّخذها اليوم في فصولنا ومختبراتنا وهيئاتنا التشريعية ومجالس شركاتنا. وما دام القرار بأيدينا، فنسأل الله التوفيق ونأخذ بالأسباب؛ فالمستقبل، بإذن الله، لا يُنتظَر بل يُسعى إليه.

المراجع

  1. J. Kaplan et al., Scaling Laws for Neural Language Models, arXiv:2001.08361 (2020)
  2. M. Littman et al., Gathering Strength, Gathering Storms: The One Hundred Year Study on Artificial Intelligence (AI100) 2021 Study Panel Report, Stanford University (2021)
  3. C. B. Frey & M. A. Osborne, The Future of Employment: How Susceptible Are Jobs to Computerisation?, Technological Forecasting and Social Change 114 (2017)
  4. M. Arntz, T. Gregory, U. Zierahn, The Risk of Automation for Jobs in OECD Countries, OECD Social, Employment and Migration Working Papers No. 189 (2016)
  5. P. A. David, The Dynamo and the Computer: An Historical Perspective on the Modern Productivity Paradox, American Economic Review 80(2) (1990)
  6. OECD, Recommendation of the Council on Artificial Intelligence (2019, amended 2024)