الأمن والخصوصية

الخصوصية في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تُستنتج أسرارك وكيف تحميها؟

لم يعد السرّ جدارًا وقفلًا، بل نمطًا يستنتجه النظام من سلوكك. كيف تغيّرت الخصوصية، وما الذي يحميها اليوم؟

3 دقائق قراءة هذا المقال متوفر بالإنجليزية

يد تمسك رمز شريحة ذكاء اصطناعي داخل كرة أرضية شفافة

تخيّل أنّ غريبًا يخمّن حالتك النفسية من نبرة صوتك، ويستنتج عاداتك من ساعة دخولك إلى الإنترنت. لم يعد هذا خيالًا؛ إنه الواقع الصامت الذي نعيشه. والسؤال ليس «متى نفقد خصوصيتنا؟» بل «هل فقدناها فعلًا ونحن نوقّع على شروطٍ لم نقرأها قط؟».

من الجدار إلى النمط

كانت الخصوصية في الماضي جدرانًا وستائر وأقفالًا؛ فالسرّ شيءٌ مادّيّ يمكن إخفاؤه. أما اليوم فتحوّل السرّ إلى نمط، والنمط إلى بيانات، والبيانات إلى سلعة. وتصف شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff)، الأستاذة الفخرية في كلية هارفارد للأعمال، في كتابها عن «رأسمالية المراقبة» كيف تستخلص شركاتٌ كبرى من سلوكنا «فائضًا سلوكيًّا» تبني عليه تنبّؤاتٍ بأفعالنا وتسعى إلى توجيهها. فالجديد ليس أننا مراقَبون، فالمراقبة قديمة، بل أنّها صارت تتنبّأ وتتدخّل، وبيّنت دراسات أنّ ما يُستنتج عنّا يتجاوز ما نفصح عنه.

الاستنتاج أخطر من الإفصاح

لم يعد الخطر في ما تُفصح عنه، بل في ما يستنبطه النظام دون أن تنطق به. فقد أظهر كوزينسكي (Michal Kosinski) وزملاؤه عام 2013 أنّ «إعجابات» فيسبوك وحدها تكفي للتنبّؤ بسماتٍ شخصية لأصحابها دون أن يصرّحوا بها. وما تخفيه عمدًا قد يفضحه ما لا تنتبه إليه.

«الموافقة» التي لا يقرؤها أحد

بُنيت القوانين التقليدية على «الموافقة المستنيرة». لكن كيف يوافق المرء على ما لا يفهم آليته، ولا يعلم أنّ بياناته اليوم ستُدمج بعد سنوات مع غيرها لتنتج صورةً لم تكن ممكنة وقت الموافقة؟ صارت الموافقة طقسًا شكليًّا: إما أن تقبل أو تُقصى من الحياة الرقمية.

وفكرة «إخفاء الهوية» التي تتذرّع بها بعض الشركات واهية الأساس؛ فقد قدّرت دراسة في Nature Communications (2019) أنّ خمس عشرة خاصيةً ديموغرافية كفيلةٌ بإعادة تحديد هوية 99.98% من الأمريكيين حتى في بياناتٍ ناقصة «مجهولة الهوية».

هل مات السرّ؟

ليس بعد. فقد شكّلت اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR) نقطة تحوّلٍ حين منحت أصحاب البيانات حقوقًا قابلة للإنفاذ، هي الاطلاع والتصحيح والمحو ونقل البيانات والاعتراض، وفرضت غراماتٍ تصل إلى 20 مليون يورو أو 4% من الإيراد العالمي. وفي المملكة صدر نظام حماية البيانات الشخصية ليوازن بين الابتكار وصون حقوق الأفراد. غير أنّ التنظيم وحده لا يكفي؛ فالقانون يلهث خلف التقنية، ويُكتب أحيانًا بلغةٍ فضفاضة.

ومجرّد الشعور بالمراقبة يغيّر السلوك ويدفع إلى الرقابة الذاتية (Penney، 2016)، فيضيق هامش التجربة والخطأ الذي تنمو فيه الحرية والإبداع. وأعمق خطرٍ على الخصوصية ليس فضح الأسرار بل تجفيف منابع الذات الحرّة.

أربع ركائز للحماية

  1. تصميمية وتشريعية: «الخصوصية بالتصميم» افتراضًا لا لاحقًا.
  2. تقنية: التشفير المتقدّم، والتعلّم الاتحادي (McMahan وآخرون، 2017) والخصوصية التفاضلية اللذان يحلّلان دون كشف الأفراد.
  3. معرفية: وعيٌ بأنّ البيانات أصلٌ لا فضلة، وتعليم الناشئة أنّ الخصوصية حقٌّ يُدافع عنه.
  4. مؤسسية: جهات رقابية فاعلة ذات صلاحياتٍ حقيقية.

مغالطة «ليس عندي ما أخفيه»

يظنّ البعض أنّ الخصوصية حاجة المذنبين وحدهم. وهي في الحقيقة شرط الكرامة الإنسانية؛ فالسويّ يغلق باب غرفته لا لأنه يرتكب إثمًا بل لأنّ له حرمةً وحدودًا. وفي موروثنا قيمةُ الستر وحرمةُ البيوت، وهما حليفان طبيعيّان لفلسفة خصوصيةٍ أصيلة؛ وفي القرآن نهيٌ صريح عن التجسّس: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]. وهذه المغالطة تنقل عبء الإثبات إلى الضحية بدل أن تُطالَب الجهة المراقِبة بتبرير رغبتها في الاطّلاع.

السرّ لم يمت، لكنه دخل العناية المركّزة. ومصيره معلّق بما نفعله اليوم: أنكون كتبًا مفتوحة، أم نعيد التفاوض على شروط وجودنا الرقمي؟ والأمانة في البيانات، والرفق بأصحابها، هما ما يبقى بعد أن تتبدّل التقنيات.

المراجع

  1. S. Zuboff, The Age of Surveillance Capitalism: The Fight for a Human Future at the New Frontier of Power, PublicAffairs (2019)
  2. Regulation (EU) 2016/679 — General Data Protection Regulation (GDPR), Official Journal of the EU (2016)
  3. نظام حماية البيانات الشخصية في المملكة العربية السعودية، المرسوم الملكي م/19 وتاريخ 9/2/1443هـ، المعدَّل بالمرسوم الملكي م/148 وتاريخ 5/9/1444هـ
  4. M. Kosinski, D. Stillwell, T. Graepel, Private traits and attributes are predictable from digital records of human behavior, PNAS 110(15) (2013)
  5. L. Rocher, J. Hendrickx, Y.-A. de Montjoye, Estimating the success of re-identifications in incomplete datasets using generative models, Nature Communications 10: 3069 (2019)
  6. J. Penney, Chilling Effects: Online Surveillance and Wikipedia Use, Berkeley Technology Law Journal 31(1) (2016)
  7. B. McMahan et al., Communication-Efficient Learning of Deep Networks from Decentralized Data, AISTATS (2017)